الجزء 43
الجزء ٤٣ · صفحة ٢٨٤والوجه الثّاني في مثل هذا ممّا نرى له مِن القول الذي يحسن القول به؛ فأقول: إن قال قائل: إن يترك له كسوته في ذلك اليوم لا غيره فحسن؛ لأنّه كمثل ما لا يسعه له في السّعاية لذلك القوت(1)، كذلك الكسوة، وما عدا ذلك اليوم؛ فيمكنه الاحتيال لهما، وإلاّ فوارثه أولى بقيامه وعوله بنفسه، إلاّ لِمَن لزمه عوله في حكم الحقّ عن أهل الصّدق، فإن لم يكن وارثه على قدرةٍ أو معدومًا، وإلاّ فعلى القائم بأمر المسلمين رعاية كلّ من لزمته رعايته ومواساة فقرائهم وضعفائهم الذين ضعفوا عن المكسبة مِن بيت مال المسلمين، ولا يسعه أن يتركهم سدًى؛ فيهملهم ضياعًا، فإن لم يكن قائمٌ للمسلمين بأمرهم، ولا بيت مال لهم في دار المبتلى؛ فعلى كافّة مَن قدر فاستطاع مِن سكان تلك الدّار مواساة من رأوا فيه فاقةً وشدّةً، ولكن غرماء المديون كأحد أهل الدّار مع لزومهم له، ولا فرق بينهم فيما لزمهم مِن حقِّ الإسلام، ومواساة مَن ضاع بين ظهرانيهم مِن الأنام، كما قال /280/ - عليه السلام -: «المسلمون كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا»(2)، وهذا وإن لم يكن وارد بالسّطور؛ ففي الصّدور له وقع لظهور(3) عدله في النّظر.
وإن قال قائل: يترك له كسوته ما على ظهره عند الحكومة، ولا يكلّف خلعها عن جسده؛ فذلك حسن، خارج على معنى العدل؛ لأنّه لا تكليف عليه لاحتمال الضّرر، وكما أنّه حكم عليه بماله لغرمائه، فما على نفسه من كسوة، كأنّها يقع عليها الحكم أنّها له؛ لبيان ما بينّاه من القول في أنّ قوته يحاصص
(1) ث: الوقت.
(2) أخرجه بلفظ قريب كل من: البخاري، كتاب المظالم والغصب، رقم: 2446؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، رقم: 2585؛ والترمذي، أبواب البر والصلة، رقم: 1928.
(3) هذا في ث. وفي الأصل: الظهور.