الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤١٢المعقول، وترك لسان العرب المعلوم إلى الأهواء والأضاليل؛ خلا أنّ من لم يمارس الشريعة ويتفّقه في فنونها تشمئزّ منه الطبيعة، وتنسلق بالوقيعة إلى عدول العلوم، وأرباب الحلم فيما لم يبلغه عقله، ولم يضبطه علمه؛ وعدوّ المرء ما جهل؛ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:39]، ونحن نكشف الغطاء في مثل هذا إن شاء الله.
واعلم أنّ أهل التفسير الذين هم لسان القرآن، وولاة البيان والتبيان نظروا إلى أنفاس الشريعة قد أوهى بميل إلى أحد الجانبين؛ وهو اليسر دون العسر، قال الله - عز وجل - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:185]، قال عزّ من قائل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:26 - 28]، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما خيّر بين اثنين إلا اختار أيثرهما(1)»(2).
والخبر المأثور أنّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: إنّا نجد /380/ صلاة القصر في المسالفة (ع: المسايفة)، ولا نجد قصر المسافر، فقال له عمر: تعجّبت مما تعجّبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: «ألا
(1) هكذا في النسختين. ولعلّه: أيسرهما.
(2) روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا» أخرجه البخاري، كتاب المناقب، رقم: 3560؛ ومسلم، كتاب الفضائل، رقم: 2327. وأخرجه أبو داود بلفظ: «إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا»، كتاب الأدب، رقم: 4785.