الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤١٣تقبل رخصة الله يا عمر»(1)، وليس فيها أكثر من مكابدة السفر، فقاسوها على مكابدة العدوّ، وقصروا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - راغب في صلاح أمّته، والتخفيف عليها؛ حتّى ذهب في الذين يتوبون من قريب إلى أن يتغرغر، ويكره التنطّع في الدين، والرهبانيّة، وقال: «شرّ السير الحقحقة»(2)؛ يريد: «المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرًا أبقى»(3)، ولرأفته بهم، ورحمته عليه، وحرصه عليهم أنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128) فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:128،129]؛ ظاهرها مدحة، وباطنها منحة، وفي خلالها قدحة، والآية الأولى في عتاب المؤمنين، والآية الأخرى في تأنيب الكافرين.
أمّا المدحة التي فيها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ فوسمه بالرسالة؛ أعظم بها منّة! ومدحه رسول ربّ العالمين؛ بخ بخ إلى منقطع النفس، كما قال ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، فعزاه إلى أكرم النسب خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام -، وأعظم الحسب أهل الله، فختم به بالرأفة والرحمة لأولياء الله، وبالصفح الجميل،
(1) أخرجه بلفظ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» كل من: مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: 686؛ وأبي داود، كتاب الصلاة، رقم: 1199؛ والترمذي، أبواب تفسير القرآن، 3034.
(2) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة، رقم: 6669؛ والبيهقي في شعب الإيمان، باب الصيام، رقم: 3887.
(3) أخرجه البيهقي، في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، رقم: 4520؛ والقضاعي في مسند الشهاب، رقم: 1147.