قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ٤١٤

والعفو الجليل لأعداء الله، فهذه أعظم المدح علمًا، وحلمًا، وحسبًا، ونسبًا. /381/

ثمّ قال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ هذه أعلى الدرج في مصانعتهم يعز عليه ما يفتنه، ويحرص فيما فيه مصلحتهم، فعاتب الربّ تعالى المؤمنين فيمن كانت هذه حالته؛ ألا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه؛ بل يفدونه بالآباء والأمّهات، وبالبنين والبنات؛ بل يقوونه بالمهج والأرواح، ويعزّرونه ويوقّرونه.

وأمّا تأنيب الكفّار فليس يستجيبون بعد من هو من أنفسكم، وأحرص الناس في إصلاحكم، وأوطأ كنفًا، وأقرب رحمًا، وألين عريكة(1)، وأقلّ أفيلة، أإله غير الله تريدون؛ كذلك رسولا غير محمّد تريدون؟! وفي هذه الآية الأخرى لهم عبرة حين قال: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، نِعْمَ الحسيب رقيبًا.

وأمّا المنحة فقد أوفر الله تعالى له الحظّ والنصيب بدلا من إجابتهم حين قال: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، فمن استأثر بالسهم الأوفر، وفاز بالحظّ الأكبر؛ وهو الله كان بالغاية القصوى؛ لم يكله الله تعالى إلى درجة دونه، وليس وراء الله درجة، فهذه أعظم المنح.

وأمّا القدحة فإنّ محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - مال بحميته إلى قومه، واهتبل بأمّته ما لم يصف الله تعالى عنه بالاهتبال بأمره؛ فحميته ظاهرة حيث وصفه الله تعالى فقال له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ

(1) العريكة: الطبيعة، يقال: فلان لَيِّنُ العَريكة؛ إذا كان سَلِساً مطاوعاً منْقاداً قليل الخلاف والنُّفُور. لسان العرب: مادة (عرك).

١٬٧٤٨ / ٣٦٬٧٥٥