الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤١٦بنطق اللسان، وإخلاص الجنان، شتّان ما بين القتل والقول، وفوار(1) الغمّ عوضًا من القتل، وسفك الدم.
وقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ وهي الأمور التي كلّفها بني /383/ إسرائيل، تأنف منها العقول، وتعافها النفوس، ابتلاهم بأمور الرجال في القتل والقتال فحاموا، وشرع لهم أمور النساء في الأعراس والمآتم فطابوا، أمرهم ببنيان العرائش في الأعياد، وتعليق العراجين والرمان، مثل لعب الصبيان، واستعملوا في عيد الفطر أكل الفطير، وجانبوا الزيت والخمير، وانتحسوا عند خروج أرواحهم الموتى كالنساء في المحيض والنفاس، وسخروا في اقتحام المياه عند الشروق والغروب سبعة أيّام، ولمن جازت عليه يوما وليلة، ولهم في الذبائح أمور لا تصلح إلا بعقول الأطفال، ولا عقول.
فسألت هذه الأمّة أن يأنف بهم عن الأمور التي لا مكرومة فيها، ولا مروءة إلى أمور الرجال، ذوي المروءة والكمال، القتل والقتال، واستباحة النفوس والأموال، واستيلاء على العباد والبلاد، ليظهروا أنوار(2) المصالح والرشاد، ويطفئوا نور الفساد، فأسعفهم الله تعالى لما علم من عقولهم أنّها محتملة لذلك، فأفضل منه، فسألوه فأسعفهم، ثمّ قالوا: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾؛ فالعفو محو أثر الذنب حتّى لا يكون له خبر ولا أثر، وإلا فاغفر لنا؛ أي: استر علينا الذنوب والعيوب، فقد فعل إذ كشف عن عوار كلّ أمة، وجعلهم هم آخر الأمم والشهداء عليهم يوم القيامة.
(1) فارَ الشيء فَوْراً وفُؤُوراً وفُواراً وفَوَراناً: جاش. لسان العرب: مادة (فور).
(2) هذا في ق. وفي الأصل: نوار.