قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ٤١٩

حججت، أنا مؤمن، وغيري مؤمن؛ ما الفرق بين المؤمنين؟ فهيهات! مؤمن اسمًا، ومؤمن جسمًا. وقد صدق الغزالي حين ضرب لهم المثل بشجرة الصنوبر؛ إذ قالت لها شجرة القرع: أنا شجرة، وأنت شجرة؛ فما فضلك عليّ؟ فحقيق أن تجاوبها شجرة الصنوبر، وتقول: لأغلبنّك؛ فأمهلي حتّى إذا هبّت عليك رياح الخريف، واعتراك الذبول، وعراك الاصفرار فهنالك تعلمين أَفَرَسٌ تحتك أم حمار؟ أَلَيْلٌ جاز عليك أم نهار؟ فعند ذلك تفوزين بالديار، ويأتي عليك الهلاك، والدمار، فتتبرئين من اسمية الأشجار. والعجب منهم حتّى نسبوا على الله - عز وجل -.

اعلم أنّ المؤمنين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:2،3].

فعول هؤلاء القوم على أنّ المؤمنين الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزّت قلوبهم، وإذا تليت آياته زادتهم رجسًا إلى رجسهم، وعلى معاصي الله يعولون، وأضاعوا الصلاة، واتّبعوا الشهوات؛ فهؤلاء المؤمنون عندهم حقًّا، وعند الله كذبًا؛ فبؤسًا لمن رضي أن يكون من المؤمنين كذبًا، وأغفل قول الله - عز وجل -: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:1 - 3].

وعوّل هذا الفريق على الاغترار بظاهر الإقرار؛ فأبطلوا به فائدة الخوف والرجاء، وعطّلوا سبيل /387/ السلامة والأذكار، والنجاة والاعتبار، وأطلقوا عقال الأمن والاغترار، ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران:24]، ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:99]، فجعلوا بإقراره مؤمنًا ولو زنى وسرق، وقتل النفس التي حرم الله، وجميع النبيين بغير الحقّ، وهدم

١٬٧٥٣ / ٣٦٬٧٥٥