الجزء 43
الجزء ٤٣ · صفحة ٣٩٠من زكاة لزمته، أو ممّا مصيره للفقراء، فجئت إليه بخمسة قروش منهنّ؛ لأوفيه بعضًا ممّا عليّ له من ذلك، فقال لي: هات العشرة، ولي أقصد بها، وأنا أعلم أنّه أراد ليعمل كما عمل ذلك العالم.
فقلت له: أعلم قصدك، ولكن يصحّ بالخمسة كما يصحّ بالعشرة، فهذا ما كان بيننا من الكلام ما يدلّ على المقصود، ولم يصرّح أحدنا الأمر، فسلمت إليه الخمسة عن ما لزمني من الثّلاثين التي عليّ له، وقبلها منّي وقبضها، وكان يعلم بي أنّي فقير، ولكن لا يدفع لأحدٍ زكاةً حتى يقول له: أنت فقير؟ فإذا قال: نعم أنا فقير، أجاز له.
وسألني: أنت فقير؟ فقلت له: نعم، فردّها إليّ ونوى بها عن زكاة أموال له مبسلي كان يطنيها بالدّراهم، أو يطبخه ويبيعه ويسلم زكاتها دراهم للسّلطان في أيّام الشّباب، قبل أن يتعلّم العلم، وهو بالغ الحلم، وقبضتها منه، ولم نزل كذلك نتراجعها، حتّى قضيت الثّلاثين القرش، وسلّم هو عن زكاة ماله، كذلك ثلاثين قرشًا، ثمّ بعد هذه من الزّمان راجعني وقال: إنّي في شكّ أنك هل تقول هذا؛ فما عليّ لك من تلك الثلاثين /294/ التي عليك لي، وأخاف إذا لم يصحّ برآنك إمّا أن يبقى عليك الحقّ، وإمّا أن أعفو أنا؛ فيلزمني لكلّ ولد لي كذلك، ولكن هلمّ نعمل كما عملنا أوّلاً، وتسمعني لفظك في ذلك، وإن لم يكن معك دراهم، فاستقرض، وأنا عندي دراهم، وأقرض من أراد القرض منّي، وأرجو منه الرّدّ، فإن شئت أن تستقرض لذلك؛ فعلى نظرك.
قلت له: إنّا فعلنا أوّلاً، وما بيننا بيانٌ صريحٌ لِمَا سنفعله، وهذا كأنّه شرط وبيان صريح؛ فقال: لا يسمّى هذا شرط، وإنّما هو تعارف، ومتى وفّيتني شيئًا من الدّراهم عن حقّي؛ فلا لوم عليّ إذا لم أردّها عليك؛ إذ ليس ذلك بلازم