الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٣٦والجوارح كلّها الجم، والنون والقلم، وما أدراك ما نون والقلم وما يسطرون! فاستجاب له العميان من جميع البلدان، وصدّقوا قولتهم، وأجابوا دعوتهم، ولم يبق إلا أن يقول: أنا الربّ إلى الكعبة البيت الحرام، وإنّي رسول؛ فاستجيبوا لربّكم؛ فإن أنتم لم تؤمنوا فأنا الربّ.
وأقرب من ذلك موقعًا أن يختلف معهم /403/ في الأسواق، ولا يعرفونه، وتضمّه معهم المساجد والمجالس، ولا يثبتونه، ويقول: أنا ربّكم الأعلى ولا ينكرونه، بشرط أن يكون وسيما قسيما، جميلا جليلا؛ لا قبيحًا ولا ذميمًا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهؤلاء قوم فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
وأمّا من امتنع منهم من إجرائها على المعاني التي تعرف من الوجه أنّه الجاه، ومن القدم أنّه ما قدم لها من أهل الشهوة، ومن البداية والنعمة والقوّة، ومن المعصم ما يعتصمون به، ومن العين العلم؛ تجري بأعيننا، وبالفم الكلام، في أمثال هذه معروفة عند العرب؛ أنّها الجارحة، أو ثمرة الجارحة، كما تعقلها العرب، فأحبّوا طريقًا وسطًا من الخبال والوبال، فامتنعوا من الجوارح، وامتنعوا من اللغة.
قلنا لهم: أتعرفونها؟ قالوا: لا؛ إلا أنّها صفة الله؛ وقد صدق القائل: قد يتكلّم المجنون بما يعجز عنه العاقل. فهؤلاء مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شرعوا الجهل دينًا، ورأوه زينًا، ومالوا عن الحقّ بَونًا، فأصابوا حينًا ومينًا.
وأمّا مذهبهم في الكلام والأمر والنهي، والقرآن فهو الذي جرّ عليهم حينهم، فأظهر الربّ الكريم شينهم؛ فأصبحوا مثل النصارى بينهم، وأمّا دينهم الذي أوردهم جميع المهالك، وسيّئاتهم التي أحاطت بهم، من أجلها خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن؛ فنفوا عنه /404/ الخلق وأثبتوه معنى غير الله، يوصف به