الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٥١فإن قالوا: الاستحالة حدوث الكلام إليه، فلو حدث؛ لكان أخرس قبل حدوث الكلام، والخرس ضدّ الكلام ونقيضه؟ قلنا: –وبالله التوفيق– إنّ هذا الحكم وهذا التحكّم لا يلزمه؛ لأنّه يجوز أن يكون من لم يتكلّم ساكتًا لا أخرس، وليس كالعلم؛ لأنّ من لم يكن عالمًا فهو جاهل، ومن /417/ لم يكن قادرًا كان عاجزًا، وليس الخرس بنقيض الكلام؛ بل السكوت نقيضه.
ويلزمهم أيضًا أنّ الخلق معه لم يزل؛ لأنّه لو حدث إليه الخلق؛ لكان قبل حدوثه عاجزًا، ويلزمهم أيضًا أن يجعلوا الخلق من المعاني القديمة القائمة بالذات كالكلام؛ ولعمري لهو أشبه بمذهبهم، فإن لم يكن العجز نقيض الخلق؛ فليس الخرس بنقيض الكلام؛ غير أنّ الخرس زمانه لا يستقيم معها الكلام، وكذلك العجز آفة لا يستقيم معها الخلق، وهما منفيان عنه بالقدرة، وقد يكون الحيّ ساكتًا لا متكلّمًا ولا أخرس، وهل يصح من الحيّ أن يكون غير عالم، أو أن يكون غير قادر، أو مريد، أو راضٍ، أو ساخط؟ فهاتيك مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة، وليس ذلك في الكلام ألبتّة، والله وليّ التوفيق.
الدليل على خلق القرآن.
إنّ لأهل الحقّ عليهم أدلّة كثيرة، وأعظمها استدلالا لهم على خلقه بالأدلّة الدالّة على خلقتهم هم؛ فإن أبيا من خلق القرآن أبينا من خلقهم هم، وقد وصف الله - عز وجل - في كتابه وجعله قرآنًا عربيًّا مجعولا منزولا مسموعًا بالآذان، مقروءًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف، وفي قلوب الذين أوتوا العلم، وليس بهم معوّل بعد العثور إلا الاعتذار بالغرور، وذلك أنّهم نصبوا للكلام وللأمر والنهي والقرآن هيولا خيالا غير القرآن، وهي العبارة عن القرآن، فما حاججناهم به من صفات الخلق الموجودة في القرآن. /418/