الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٦١القدرة، ولا السمع، ولا البصر، ولا الإرادة، وهكذا. بل يقال: هو المريد القدير، العليّ الكبير، العليم الخبير، السميع البصير، فهي أسماء صفاته الواجبة لذاته، بمعنى أنّه في ذاته كذلك، وقد ظهر لك أن تنفي الصفات الواجبة لذاته، بمعنى أنّه في ذاته كذلك، وقد ظهر لك أن تنفي الصفات عن ذاته تعالى على طريق ما قدّمناه تطهير سرّ التوحيد، بشمس التفريد، فيقال: إنّه سبحانه عليم لا بعلم هو نفسه، فيلزم منه أنّ نفسه علم أو ثبوت علم في نفسه، وهذا باطل، وبه تعلم أيضًا أنّه لا يصحّ منه أن يقال في حقّه تعالى: إنّه علم، ولا قدرة، ولا مشيئة، وهكذا. وإذا بطل أن يقال: إنّه علم بعلم هو نفسه؛ فالقول: إنّه عالم بعلم هو غيره وقادر بقدرة هي سواه أوضح بطلانًا؛ إذ لا بدّ من أحد أمرين: أمّا القول بأنّها حادثة؛ فيكون الرب - سبحانه وتعالى - محلا للحوادث، وكلّ محلّ للحوادث فهو حادث، وهذا باطل. وأمّا القول بأنّها قديمة معه، وبهذا يستلزم أنّ غير الله قديم، وإذا جاز أن يكون معه في الأزل قديم غيره؛ جاز أن يكون معه إله غيره، وهذا باطل.
فإثبات الأشعريّة لله تعالى صفات قديمة قائمة بذاته العظيمة، لا مخرج له من هذا، وبهذا تعلم أنّ الحقّ فيما قاله أصحابنا؛ من تجريد الصفات اكتفاءً بالذات المقدّسة مع اتّصافها بها كما سبق، فيقولون: هو القادر المريد، العليم الخبير، السميع البصير، الشهيد، لا بقدرة هي هو، ولا بقدرة هي غيره، وكذا في سائرها، فهو عليم لا بعلم، بل هو عليم بذاته، وهكذا في باقي الصفات.
وقولهم: هو عليم بذاته، لا يزيد شيئًا على وصف ذاته بأنّها عليمة، ومعنى قولهم: إنّ ذاته عليمة؛ أي: هو العليم لا بعلم هو هو، ولا بعلم هو غيره، بل هو العليم بذاته المقدّسة، كما سبق وقد وضح بهذا البطلان أنّ يقال في ذاته: إنّها علم أو قدرة، أو إثبات أو مشيئة، وهكذا.