قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ٤٦٢

وقولهم في صفاته: إنّها عين ذاته لا يخالف هذا، فليس مرادهم به أن سلب الصفات عن ذاته مع اتّصافها بها كما قررنا، فقالوا: هي عين ذاته؛ بمعنى: إنّه ليس ثم من صيغته زائدة على ذاته أبدًا، وقد مضى من القول مكرّرًا فيها للتوضيح ما يغني عن المزيد، فليراجع النظر فيه من كان ذا قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

فإن قلت: فكيف يصحّ في ذاته العليّة أن تسلب عنها صفاتها القدسيّة، وكتاب الله ناطق بذلك، فهو ينادي على بطلان تلك المسالك، فإنّ فيه إثبات الصفات في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:10]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات:58]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات:180]، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية:37]، ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:23]؟ قلنا: هذا لا ينافي ما قاله أصحابنا في هذه المسألة، بل هو لهم أعظم شاهد وأوضح دليل في الردّ على المعاند، فإنّ قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ لا يزيد شيئًا عن وصفه بأنّه عزيز، و ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ في معنى القويّ، و ﴿لَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ بمعنى أنّه الكبير، فتأويل هذا الباب كلّه قريب المأخذ سهل التنازل.

ولو جاز التعلّق بظاهر هذه الألفاظ لإثبات صفة قديمة زائدة على الذات القديمة؛ لجاز لمن قال بظواهر ألفاظها أن يقول أيضًا: إنّ هذه الصفات محدثة من جنس المخلوقين، بدليل قوله تعالى ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾، فإنّه لا يجوز أن يكون ربًّا إلا لمخلوق محدث، وبطلان هذا أظهر من أن يعتنى به، فثبت ما قلناه.

فانظروا يا معشر المسلمين في هذا، وفيما جاء في مواضع من الآثار القديمة، أنّ ذاته - سبحانه وتعالى - هي قدرته ومشيئته. وفي قول آخر: هي إثباته، فكان معول الجميع

١٬٧٩٦ / ٣٦٬٧٥٥