الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٤الجواب: بعد حمد الله والثناء عليه بما هو له أهل؛ إنّ معرفة الله بصفاته وأفعاله الخاصّة، إذا خطرت بالبال من عاقل بالغ ممّا لا يسع الجهل به على حال؛ لأنّها ممّا تقوم به الحجّة من العقل بلا جدال، وقيام الحجّة بها خاصّة بالمعاني المدركة التي يبعث به رسول العقل، عن الحضرة الإلهيّة لمن هدي بنور الفهم لاتّباع الحقّ الذي أتت به الواردات الإلهاميّة، فهي من الله تعالى رسالة باطنيّة، تقوم بها الحجّة على من بلي بها، كما تقوم بالرسل الظاهريّة، فلا جواز للعدول عنها، ولا الشكّ فيها، ولا الرجوع إلى ما يوجب اللبس من الوساوس الشيطانيّة.
فمن خطر على قلبه مثلا أنّ له أو لشيء من الموجودات، أو لجميع الكائنات المحدثات إلهًا، أو ربًّا أو خالقًا محدثًا، أو صانعًا أو مقدرًا ومدبّرًا؛ لزمه الإقرار لمولاه بذلك في الحال، ولم يوسع له في الجهل به على اعتقاد السؤال؛ لأنّه لو نظر في نفسه مثلا فعرف ما بدأ من ضعف وعجز لا ينفكّ عن ملازمته من حال طفولته إلى بلوغ أشدّه، أو ما فوقه من سنّه، دع ما تقلب فيه أطوارًا من حال كونه نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام ولحم ودم، إلى أن أنشأه الله بنفخ الروح فيه خلقًا آخر، فتبارك الله ربّ العالمين؛ علم بالضرورة أنّه حادث بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، وعلم بالضرورة استحالة كونه خالقًا لنفسه، كما لا يتصوّر أن تكون النطفة هي التي خلقت نفسها جنينًا في الرحم، فلزم من ذلك أنّ له خالقًا غيره خلقه وأحدثه، وأنشأه، وبرأه، وصوّره، وأبدعه، واخترعه.
وكما بطل أن يكون الحادث محدثًا لنفسه؛ فكذا في غيره؛ لأنّ من عجز عن نفسه؛ فهو عن غيره أعجز؛ لأنّه لا يلزم منه وجدان محدث، أحدثه محدث لمحدث محدث، فيتسلسل إلى غير نهاية، وهذا باطل. والحقّ أنّ المحدثات كلّها