الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٦٧محتاج إلى سواه، ولا مفتقر إلى ما يخلقه، وهكذا، وفي هذا ثبوت لأضدادها من الصفات الكماليّة على طريق ما سبق.
الطريق الخامسة: هي التي نبّه عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عرف نفسه عرف ربّه»(1).
ولأهل العلم بيان في معرفة الله تعالى بما دلّ عليه هذا الحديث الصحيح من معرفة العبد نفسه ثلاثة مذاهب: أحدها؛ وهو أوضحها: إنّ نفس العبد يستفاد منها أوصاف العبوديّة كلّها، ولفظة الربّ ذاته على صفات الربوبيّة كلّها، فكلّ صفات الربوبيّة على ضدّ صفات العبوديّة، والعكس، فمن عرف نفسه بالعبوديّة والحدوث، والفناء والعجز، والضعف والجهل، والخفة والطيش، وغاية الفقر والضرورة، والذلّة والمسكنة، وكونه عرضًا للحوادث والهموم، والأسقام ومرور الليالي والأيّام، والاحتياج إلى الصاحبة والولد، والمعين والمشير، والزمان والمكان، وهكذا؛ عرف به صفات الربوبيّة أنّها على الضدّ من هذا، فأثبت لمولاه تعالى صفة الربوبيّة والقدم، والبقاء والحياة، والقدرة والعلم، والكرم والعزّة، والعظم، وهكذا.
وثانيها: إنّه إذا نظر في صفات نفسه الجميلة التي جعلها الله تعالى مظاهر لصفاته الكماليّة؛ علم بها صفات ربّه تعالى في جمالها وكمالها، فأنت يا عبد على سبيل المجاز حيّ قدير، قويّ مريد، متكلّم عليم، حكيم خبير، سميع بصير، معطٍ باسط، مدبّر وليّ، غنيّ كريم رحيم، وهكذا، هذه خلعة ألبسكها مولاك، لتكون شهادة عليك له، إذا أنكرت معرفته بهواك؛ فإنّه بالحقيقة هو الحيّ القدير، المريد
(1) تقدم تخريجه.