الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧١البحث والتنقير عن مشكل الألفاظ والعبارات بعد صحّة معرفته، وكمال إيمانه وإقراره، بأنّه تعالى أحد صمد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ألا وإنّ في قطع النظر عن البحث عن أكثر دقائق عبارات المتكلّمين سلامة للضعفاء من اقتحام اللجج التي غرق فيها أكثر العالمين، وقد دلّ على ذلك صاحب الشرع صلوات الله عليه في مسألة القدر فقال: «القدر سرّ الله في أرضه فلا تتكلّفوه»(1).
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أشفق من النظر فيه على أمّته، وما هو بالنسبة إلى علم التوحيد إلا قطرة من وابله في ساحله، فما ظنّك بمطلق الخوض في الكلام على الذات العظيمة، والصفات الكريمة، والأفعال الجسيمة؟ فإنّ لله تعالى سبعين حجابًا من نور، لو تقدّم العبد فيها قدر أنملة لاحترق، وإنّما ثبت التكليف، وحصل الإذن بما هو الكافي في معرفته تعالى، والموصل إلى العلم به، وللسالكين في وصولهم إلى معرفته تعالى طرق كثيرة، وأيّ طريقة كانت موصلة للعبد إلى باب ربّه الكريم؛ فهي طريق الحقّ وسبيله المستقيم، ومن ضلّ عنها؛ قاده الوهم إلى مهواة تسمّى الهاوية والجحيم.
فقوم سلكوا إليه في استدلالهم عليه مسلك الحكماء الفلسفيّة، فاستدلّوا عليه بأقيسة عقليّة، ونتائج فكريّة، حتّى عرفوه في زعمهم بالحجّة والبرهان. وقال آخرون: إنّه لا تتمّ معرفته إلا لأهل الطريقة الصوفيّة، فاشتغلوا بتصفية القلب
(1) أخرجه موقوفا على ابن عباس عن عيسى عليه السلام دون قوله: «في أرضه» كل من: الطبراني في الكبير، رقم: 10606، 10/ 260؛ وابن بطة في الإبانة الكبرى، رقم: 1994. وأخرجه أبو نعيم في الحلية مرفوعا بلفظ: «لاَ تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَرِ فَإِنَّهُ سِرُّ اللهِ فَلَا تُفْشُوا لِلَّهِ سِرَّهُ»، 6/ 181.