الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٢عن الشواغل الحسّيّة، وألزموه التبتّل إلى الله تعالى، والانقطاع عليه بالكلّيّة، وأداموا له حضور القلب وسرّه، مع ملازمة ذكره، حتى يتجلّى القلب بما يتجلّى عليه من الواردات الإلهيّة، وزعموا أنّه لا حاجة إلى تقويم البراهين عليه، وأنّهم قد وصلوا إلى معرفته بالشهود والعيان. وقوم وقفوا عند الألفاظ القرآنيّة، والعبارات الفرقانيّة، والأحاديث النبويّة، وقالوا: إنّها هي التي جاءت عن الله تعالى بالهدى والبيان. وفرقة تقول: إنّ الله تعالى لم يأمر أحدًا بالنظر ولا بالفكرة في ذاته، ولكنّه أمر بالنظر في مخلوقاته والعبرة في مصنوعاته، فقال: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:191]، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَأيَاتٍ﴾ [آل عمران:190]، فهي دلائل توحيده، وشواهد تفريده في كلّ زمان إلى غير هذا.
وكلّها إمّا حقّ في نفسها، أو قابلة للحقّ عند من اقتدر على التصرّف بها، لموجب الهداية إن سبقت له بها من الله عناية، وإنّما يضلّ بها من ضلّ لسوء فهم أو غلبة وهم، أو عمى بصيرة عن إدراك الحقائق، أو سبق عقيدة فاسدة تعمي القلوب عن اتّباع الأدلّة إلا من أمدّه الله بأنواره، وأطلعه من علم غيب توحيده عن غوامض أسراره، وجعله من الراسخين في العلم، والناظرين إلى حقائقه بنور الفهم، فهم أهل النظر فيما به تزول الشبهات، وتنجلي الظلمات؛ لأنّهم لعباد الله هداة، وإلى سبيل الله دعاة، وقليل ما هم، ولا سيما في هذا الزمان الذي تراكمت فيه الظلم، وقلّ فيه من أهل الخير الهمم، ولم يوجد فيه من الخير شيء يعرف إلا معرفة الله تعالى والوقوف على بابه في كلّ ما أتى به.
وعندي أنّ ابتغاء معرفته تعالى من هذه العبارات المحرّرة في تلك الآثار المقررة، بأنّ ذاته تعالى إثباته أو هي قدرته ومشيئته أنّه لبعيد عن الحصول، وأنّه لفي غاية