الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٣البعد عن الأصول؛ لأنّ القدرة والمشيئة صفتان من صفات ذاته، وكذلك الثبات (بفتح المثلّثة) بمعنى دوامه وبقائه، وأمّا الإثبات (بزيادة الهمزة)؛ فكأنّه أبعد؛ لأنّها تفيد التعدية في هذا الموضع، وهي باطلة؛ لأنّ المفعول لا يكون إلا لفاعل، ولا يجوز أن يكون فاعلها هو - سبحانه وتعالى - لاستحالة أن يكون مثبتًا لنفسه، فكيف به من غيره؟ فهو الغنيّ بذاته عن أن يصل إليه النفع منه، فكيف به ممّن سواه؟ فلم يبق لها معنى نعرفه، اللهمّ إلا أن يقدر حذف مضاف مع ذاته، فيقال: إثبات ذاته إثباته، فالمعنى صحيح ويكون إثبات الذات هاهنا بمعنى اعتقادها ثانية، وتلك عبارة عن الإقرار بوجودها، وعدم إنكار ثباتها.
ومنه عبارتهم بالنفي والإثبات في لفظة (لهيلله) لإثبات الوحدانيّة والألوهيّة، ولكن هذا تحصيل حاصل، من دون طائل، والظنّ به أنّ الهمزة فيه إمّا غلط من ناسخه، أو الخطأ من قائله فيردّ إلى باب العبارة عن الذات لبعض الصفات، كالقدرة والمشيئة، والإرادة والعلم، وغيرها، وليس هو بشيء أيضًا، وإلا لجاز أن يكون كلّ من الصفات إلهًا على حدة، وهذا باطل، وتحقيق القول فيه يستدعي فتح باب الكلام في الذات والصفات، فلا بدّ من كشف طريق الحقّ فيه بتمهيد قواعد الاستدلال، بما تذهب عن الناظر فيه إن شاء الله تعالى ظلمات اللبس والإشكال.
والأصل الذي ذهب إليه أصحابنا في هذا: إنّ صفاته تعالى هي غير ذاته الأزليّة، ولا ينكشف هذا إلا بتجريد الذات المقدّسة عن الصفات بالكلّيّة. فنقول في وصفه مثلا بالحياة، والعلم والقدرة، والسمع والبصر، والإرادة، وغيرها من صفاته تبارك وتعالى أنّها ليست بشيء زائد في ذاته؛ لئلا يلزم الحلول في ذاته، ولا زائد من ذاته؛ لئلا يلزم التبعيض في ذاته، ولا زائد على ذاته؛ لئلا يلزم افتقاره