الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٧لها الأكوان بلا واسطة، وهي الحالة المعبّر عنها بـ"كن فيكون" في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس:82]، وهي المعبّر عنها بالفعل والانفعال بصورة الأمر والجواب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11].
ولمّا كان مثل هذا لا يكون الأمر إلا من مريد قادر، قاهر قابض، مدبّر عليّ عظيم، خبير عليم، متقن حكيم، متصرّف خالق، باريء مصوّر، فعّال لما يريد؛ وصف بالإرادة والمشيئة، والقدرة والقوّة، والكبرياء والعظمة، والقهر والغلبة، والعلم والحكمة، وهكذا، فكانت أسماء هذه الصفات ومعانيها بمقتضى مدلولاتها، وهو معنى قولنا: بحسب تأثّر أعيان الوجود وانفعالها للذات العليّة، فالفاعل واحد، وذاته كافية في كلّ ما يريد، الأشياء كلّها منفعلة لذاته على وفق إرادته، فهو الفاعل بذاته، خالق بها، محدث مخترع موجد معدم، منشئ مبدئ معيد بذاته الكريمة، كما هو عليم بذاته، سميع بصير بها، ولا يتصوّر في بال عاقل أبدًا أن يكون الإله محتاجًا إلى غيره في شيء من أفعاله، مفتقرًا إلى معين ووزير، ومدبّر ومشير، وهذا باطل.
والحقّ: إنّه هو الغنيّ بذاته، والفعّال لما يريد بها، لا بشيء آخر، فإرادته وأمره، وفعله غير مقصورة على العلل والطبائع، والأفلاك والكواكب والعقول، والنور والظلمة، والدهور، سبحانه عن ذلك، فهو فاعل كلّ ذلك، وخالقه ومحدثه، ومخترعه ومكوّنه قبل الأكوان والعلل والأزمان، وكان في أزله قادرًا قويًّا بذاته، على خلق كلّ ذلك وإتقانه وإخراجه من غيب العدم الكلّي، إلى ظهور الوجود