الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٨الشهودي، كما شاءه وأراده، من غير استعانة بشيء، ولا احتياج إلى شيء، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه.
وهكذا القول في سائر صفاته وأفعاله، فإنّ أسماء الصفات والأفعال، إنّما كانت معدّدة كثيرة، لكثرة معلوماتها، وتعدّد مدلولاتها تقريبًا لأفهام العباد، ليتوصّلوا بها إلى معرفته التي هي سبب فلاحهم وكيمياء سعادتهم، والأصل في صفاته تعالى أنّها شيء واحد في الحقيقة، باعتبار تجلّي ذاته المقدّسة على كلّ شيء، لكنّها باعتبار الأمور الخارجيّة من تعدّد التجلّيات، وتنوّع المتجلّيات للذات الكريمة تكون أنواعًا عديدة بحسب ذلك.
فلو سمّي العلم مثلا قدرةً، أو إرادةً، أو قهرًا، أو كبرياءً، أو عزّةً؛ لما صحّ معنًى ولا لغةً، وكذلك لو سمّي السمع بصرًا، أو البصر سمعًا، أو أحدهما قدرةً، أو القدرة كلامًا، أو الكلام مشيئةً، أو المشيئة قهرًا، وهكذا، وقد راعى الله هذا الاعتبار الخارجيّ في خطابه، كما قال في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:1]، فلا يجوز في إطلاق اللغة إلا مراعاة هذه النسب الخارجيّة، فلا يقال: إنّه تعالى يبصر الأقوال، ويرى الأصوات، وينظر الدعاء، كما لا يقال: إنّه يسمع الجبل، والحجر، أو الشجر أو المدر، أو غيره من كلّ ساكن في حال سكونه، وعدم تحرّكه واضطرابه.
ولو قيل هذا؛ لكان خطأً واضحًا، وغلطًا فاضحًا؛ لمخالفته أوضاع اللغة، واتّساع العرب فيها، ومثال ذلك أنّ الأكل والشرب كليهما عبارة عن إساغة شيء في الحلقوم، من الفم إلى البطن، فهما معنى واحد في الأصل.