الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٧٩لكنّ واضع اللغة خصّ تسمية الإساغة من المائعات بالشرب، والجامدات بالأكل. فلو قيل: أكلت ماءً، وشربت طعامًا؛ لكان خطأً، ولهذا احتاجوا إلى التأويل فيما أفهم العكس، فقالوا في قول الشاعر:
فعلفتها تبنًا وماءً باردًا
إنّ انتصاب الماء بفعل مقدر؛ أي: وسقيتها ماءً باردًا؛ لأنّ الماء لا يعلف، وإنّما يسقى، وهذا معنى في اللغة لا يخفى على من عرفها، وليس هو ممّا نحن بصدده من الكلام على الحقائق الأزليّة في بيان الوحدانيّة بالاكتفاء لا عن الذات القدسيّة جميع صفاتها الحقانيّة كما تقرّر، فنقول: إنّ الله تعالى يسمع بما به يبصر، ويبصر بما به يعلم، ويعلم بما به يقدر، ويقدر بما به يخلق، ويخلق بما به يعطي، ويعطي بما به يمنع، ويحيي بما به يميت، ويميت بما به يحيي، وهكذا، وهذا ظاهر بما سبق.
والذي يقع لي في حدسي أنّ فيما ذكرناه من هذا كفاية عن المزيد، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، فانظر في هذا وفيما سألت عنه من تلك العبارة، إلى الله أعتذر من قصور فهمي، عن ردّها إلى أصول الحقّ، في تصريح أو إشارة، فهو يعلم منّي أنّني لا أريد بما ذكرته في هذا محبّةً للخلاف، فليس من مذهبي الطعن والازدراء بالأسلاف، ولكنّي رأيته مزلّة للأقدام، ومدحضة للأحلام، ومجلبة للأوهام، فربّما اعتقده كذلك الناسكون، أو تاه في أودية الفكرة به السالكون، أو وقف بين قبوله وردّه لعجز عن فهمه الضعفاء المتمسّكون.
ألا وإنّ نشر العلم في موضع الحاجة إليه لمن الواجبات على من قدر عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتاه الله علمًا فكتمه عن الناس في موضع حاجتهم إليهم؛ ألجمه