قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ١٨

كان غير مأمور، جاز أن يقبح منه الفعل](1) وإن كان غير منهي، وكذلك سبيل قولهم: ﴿لَا يُسْ‍ئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْ‍ئَلُونَ﴾ [الأنبياء:23]

وشيء آخر: وهو أنّ الأفعال لو كانت يقبح أو يحسن للأمر أو النّهي والسّؤال وغير ذلك، لكان يجب أن لا يعرف قبح الأفعال وحسنها من لا يعترف بالأمر والنّهي، ولا يعتقده كالدهرية وغيرهم، فلما وجدناهم يعرفون قبح الأفعال وحسنها، وإن لم يعرفوا الأمر والنّهي والسؤال، وما يجري مجرى ذلك صح أنّ الفعل لم يكن قبيحا لأجل النّهي والسّؤال.

وشيء آخر: وهو أن المعرفة لقبح الظّلم من أوائل العلوم البديهة التي بها يكمل العقل.

وإذا كان كذلك كانت /4/ المعرفة بقبح الظّلم يجب حصولها قبل المعرفة بالأمر والنّهي، والثّواب والعقاب، وسائر ما يتعلق بذلك، لأنّ جميعه إنمّا يعرف بعد التكليف، والتّكليف لا يلزم العبد إلاّ بعد استكمال ما به يتمّ العقل، وإذا كان كذلك صحّ أن أقبح الظّلم لم يكن للأمر بتركه، والنهي عن فعله، وإن قبحه لعينه، وإن كان كذلك لم يتغير بالفاعل. وشيء آخر، وهو أنّه تعالى تمدّح بنفي الظّلم عن نفسه بقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:118] وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:46] وأشباه ذلك من آيات القرآن. فلو كان الظّلم إذا فعله لم يُقبّح منه، ولم يكن للمتمدّح بنفيه عن نفسه وجه، لأنّ كونه منه إذا لم يوجب القبح(2) نقضا كان كالعدل

(1) زيادة من ث.

(2) في ث زيادة: ولأنها.

١٬٨٣٢ / ٣٦٬٧٥٥