قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣٣

ووجه لإيجاب الحجّة، وقطع العذر، فالباري تعالى عالم بالخلق، وما تؤول إليه عواقبهم، فلا يمتحنهم بشيء خفيَ عليه من أمرهم، ولكن مبتلياً لهم بالفرض، ليثيب بالطّاعة من أطاعه، ويعذب بالمعصية من عصاه. والحكمة من هذا الامتحان والاختبار أنّ في الشاهد لا ينبغي للحاكم أن يحكم بعلمه من غير إقامة المدعي البيّنة أو يمين المنكِر؛ لأنه إذا حكم بعلمه دون ظهور الأمر فيه بغيره اتهم بالميل إلى الجور، بمثل هذا عامل الله عباده، فأراد الباري تعالى أن يظهر فيهم معلومه، لئلا يُتَّهم بالميل، وينسب إلى الجور، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:3] معناه، فليظهرنّ الله معلومه في الذين صدقوا، وليظهرنّ معلومه في الذين كذبوا، فهذا الاختبار والامتحان، والله أعلم.

مسألة: وما لم تقم على المكلّف حجّة، ولم تبلغه دعوة، فهو سالم(1) بجهله مما كان طريقه طريق السّمع، من رسالة الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، وعلم الفرائض؛ لأنّه لو كان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - مشاهداً، ولم تظهر له معجزة على ما يدّعيه من النّبوة، ويدعو إليه من الإيمان، فلم يجبه لما كان هالكا، لأنّ مشاهدة النّبي - صلى الله عليه وسلم - ليست بحجّة على من شاهده من دون إظهار معجزة، وإبلاغ رسالة، ولا قال بذلك أحد من أهل القبلة.

ولو كان ذلك كذلك، لكان المسلمون حين قدم النّبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجراً إلى المدينة، والنّاس يصِلون إليه، ولا يعرفونه إلى أن كثروا وارتفعت الشمس، فقام أبو بكر - رضي الله عنه - فستر على النّبي - صلى الله عليه وسلم - بثوبه من الشمس، فعلمت الأنصار والمسلمون أنّ

(1) زيادة من ث.

١٬٨٤٧ / ٣٦٬٧٥٥