قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٣٤

المعظّم منهم هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو كانت رؤية النّبي - صلى الله عليه وسلم - هي الحجّة فقط لكان جميع المسلمين من أهل المدينة قد كفروا بجهلهم الحجّة، وهم لها معاينون، ولم يقل أحد أيضا: إنّ دعوة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - هي بحجّة دون المعجزة.

ولو كانت المشاهدة هي الحجّة من غير أن يعضدها دليل من معجزة أو ما يقوم مقامها لكان الرّسول - صلى الله عليه وسلم - تلزم حجّته بغير معجزة، ولو كان ذلك لازما لكل مشاهد النّبي(1) - صلى الله عليه وسلم -(2) وسامع لكلامه لما كان لإظهار المعجزات معنى، ولكان أيضاً سائغا لكلّ مدّعٍ للنّبوة أن يدّعيها من غير إظهار معجزة عليها، ولكن لماّ كان الله - عز وجل - لا يبعث رسولاً إلاّ بمعجزة ظاهرة، وأعجوبة باهرة، ليس في طاقة أحد من أهل زمانه أن يأتي بمثلها، ولا أن يساويه فيها، صحّ أنّ المعجزة هي المؤيّدة لرسالتهم، والمركّزة لمقالتهم، والمبيّنة لحجّتهم، والمبرهنة لدعوتهم، والمصدّقة لأمرهم، والمفرّقة بينهم وبين غيرهم. وإنمّا هي الحالة الجليلة، والدلالة النبوية، التي بان بها الرّسول من غيرهم من العباد، ولذلك كانت الأنفس مطبوعة على الالتجاء إليها، والفكرة فيها والعبرة بها.

وكذلك كل نبيّ لا حجّة في مشاهدته دون إظهار دعوته، وإذا كان الأمر على ذلك، كان المكلّف معذورًا بالدليل الذي بيّنّاه، والشّاهد الذي أقمناه قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15] وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:44] وقيل: قال النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله أرسلني للنّاس برسالة ضقت /11/ بها ذرعاً وعرفت أنّ

(1) هكذا في النسختين. ولعله: للنبي.

(2) في ث زيادة: تلزم حجّته.

١٬٨٤٨ / ٣٦٬٧٥٥