الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٣٨بأمر فائتمروا وخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا»(1)، ولا يليق بصفة الحكيم الرّحيم بعباده أن يكلفهم ما لا يطيقون وهو الرّؤوف الرّحيم.
مسألة: إن قال قائل: هل يكون حكيما من يرى عبده يعصيه، ويعمل عملا يستحق به الخلود في النّار، ولا يمنعه ولا يخلّصه منه؟ قيل له: إنّ الله تعالى قد منعهم من ذلك أشدّ المنع، وخلّصهم بأفضل الخلاص، وذلك أنّه زجرهم، ونهاهم، وتوّعدهم بالنّار، وأراهم العبر والآيات والمثلات، وأمّا الخلاص فقد أقدرهم على ترك المعاصي، وجعل لهم السّبيل إلى الطّاعة، وأعطاهم كلّما ينجون به من المعصية، وحذّرهم ووعدهم وتوعدهم.
فإن قال: فهلاّ منعهم بالجبر والقهر، وخلّصهم بمثل ذلك؟ قيل له: لو فعل ذلك بهم لم يستحق محسن ثواباً، ومسيءٌ عقاباً، ولكان لا معنى لخلقهم، إذ لم يخلقهم لينفعهم، ولكان قد خلقهم عبثاً، وتركهم عبثا، والله تعالى يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون:115]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56] قيل: المعنى ليعرفوني ويوحّدوني، وآمرهم بعبادتي. فمن زعم أنّ الله تعالى أراد العبادة والطّاعة من جميع عباده؛ لأنهم خلقهم لذلك ولم يفعلوا كان في قياد قول هذا القائل: إنّ الجن والإنس فعلوا خلاف ما أراد الله منهم، وكانت إرادتهم غالبة لإرادته فيهم، وكان قد أكرهوه وغلبوه، وهذا قولٌ باطل، ولو أراد الله الإيمان من العاصين من الجن والإنس جميعا لآمنوا كلهم، لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ
(1) أخرجه بمعناه كل من: الربيع، كتاب الحج، رقم: 394؛ والبخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم: 7288؛ ومسلم، كتاب الحج، رقم: 1337.