الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤١الباب الرابع في أنّه يكلّف عباده ما لا يطيقون
من كتاب ركن الدين: الأصل في ذلك أنّه لا يصحّ التّكليف من الحكيم إلا لنفع يحصل للمكلّف بالتّكليف؛ لأنه متعال عن الانتفاع بتكليفهم، ولا يجوز أن يكلفهم من غير أن يقصد نفعهم بتكليفهم؛ لأنه إذا لم يكن لله تعالى نفع، ولا للمكلّف صار التّكليف عبثاً، ولا معنى له. فإذا تقرّر ذلك، والتّكليف إنمّا يكون للمكلّف فيه نفع متى ما تمكن من فعل ما كلّف؛ لأنه إذا لم يتمكن من فعل ما كلّف يخرج من(1) أن يكون للمكلّف فيه نفع؛ لأنه لا يمكنه أن ينتفع بذلك التّكليف، بل يكون مضرةً عليه، فضلاً من أن يكون نفعا؛ لأنه إذا لم يمكنه أن يفعله لا يمكنه التّوصل إلى الثّواب، ويلزمه بزعم القوم العقاب، وإذا كان كذلك صار التّكليف غير حكمه.
وشيء آخر وهو أنا بيّنا أنّه تعالى عدل، لا يفعل ما هو ظلم، وأعظم الظلم تكليف ما لا يطاق، والأمر بما لا سبيل إليه. وأكثرهم يحيلون تكليف العاجز، وينفون ذلك، ويجعلون بين القادر والعاجز ثالثاً، ليس بقادر ولا عاجز، وهذا غير معقول.
ومنهم من يأبى تكليف غير قادر، ولا يجيز تكليف ما لا يطاق، والذي يدل عليه من الكتاب، قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7] والوسع دون الطّاقة، ألا ترى قول الشاعر:
(1) زيادة من ث.