الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٣وعند من يقول: إنّه يقع بالتّكليف، فذلك غير صحيح؛ لأنه إن وقع بالتّكليف، كيف يجوز أن يقول: إنّي لا أكلف إلا ما يحل، وإنمّا يحل على مذهبه أن يكلّف ذلك، كأنّه قال: إنّي لا آمر إلاّ بما يجب، والوجوب يقع بالأمر، وهذا محال.
وبعد: فلو جاز أن يكلّف الله تعالى ما لا يطاق لجاز أن يكلّف الأعمى النّظر، والمقعد المشي، ولجاز أن يكلّف الطّيرَ(1) الطيران وأشباه ذلك، هذا ولو جاز ذلك لجاز أن يكلّف الأشجار والنّبات والجماد؛ إذ لا فرق بين الأمرين، ومن بلغ هذا الحد عدَّ من المجانين، وقد تعلق(2) في إجازة ذلك بآيات، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِي﴾ [البقرة:285]، قالوا في(3) رغبة المؤمن إلى الله تعالى في أن لا يكلّفهم ما لا طاقة لهم به دلّ على جواز تكليفه إيّاهم ذلك، ولولا جواز ذلك لم يكن في الرّغبة في ذلك معنى ولا فائدة.
الجواب: إنه ليس في ظاهره شيء مما قالوا به، ولا يدل سؤالهم ذلك على جواز تكليفه إيّاهم ذلك، لأنّ السّؤال على أوجه ثلاثة:
أحدها: تعبّد الله عباده به، وإن كان فاعلا ذلك لا محالة ولا يجوز أن يفعل خلافه، وذلك نحو قوله تعالى: قال: ﴿رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:112]، ولا خلاف أنّه لا يحكم إلاّ بالحقّ، وكقوله تعالى: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:194]؛ فقد سألوه أن