الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٥أطيق الاكتحال برؤيتك، وهو نصب عينيه ينظر إليه، فمعناه أنّه يثقل عليه ذلك، ويدلّ على صحّة المعنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة:286]؛ أي: العبادات الصّعبة التي كلّف بني إسرائيل، وغلظ عليهم المحنة في ذلك، كأمره إيّاهم بقتل أنفسهم، وعلى ذلك فسرّوا قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:112]؛ لأنهم لو أرادوا الاستخبار عن قدرته لكفروا، وإنمّا المراد هل يسمح بذلك ويجيب إليه، وعلى ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:67]، لم يرد به نفي القدرة وإنمّا المراد ثقله عليه، ولذلك جعل القدرة فيه قوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:68]، ولو أراد نفي الاستطاعة بالحقيقة لم يكن لهذا الاعتلال معنى. ووجه آخر: وهو أنّه يجوز أن يعني به لا تحملنا من العذاب ما لا طاقة لنا به، لأنّ قوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ [البقرة:285] كلام مبهم ليس فيه دلالة ما الذي أراد(1) به، تكليف وغيره، وإذا كان كذلك سقط التعلّق به.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:3]، قالوا: فدلّ قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(2) على ضده من المؤاخذة في حال الضّرورة.
الجواب: إنّ الواجب أن يعلم الفرق بين حال الضّرورة ونفي الاستطاعة، لأن حال الضرورة يصح معها وجود الاستطاعة، لأن الإنسان وإن اشتد جوعه