الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٧وثانيها: إنّه إنمّا عقّب ذلك بما أباحه من أكل الميتة، وصفا لنفسه بمغفرة الذّنوب، فأولى ألاّ يؤاخذ بفعل المباحات التي ليست بذنب.
وثالثها: أن يعني أنّه تعالى غفور رحيم، فلا يضيق على العبد الحال حتى يمنعه من أكل الميتة عند الضّرورة، بل يحلّ ذلك له.
ورابعها: أن يكون تعالى أقام قوله: ﴿اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ مقام قوله: أحللتُ ذلك، من حيث كان المعلوم أنّه تعالى لا يؤاخذ بما قد أحلّ، كما لا يؤاخذ بما قد غفر، فأقام أحد القولين مقام الآخر، وهذا من باب الفصاحة، ونظيره قوله تعالى في أزواج النّبي - عليه السلام -: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:6] يريد: حرّمتهنّ عليكم لما كانت الأمهات محرمة، أقام قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ مقام قوله: حرّمتهنّ عليكم؛ لأنه لم يرد أنهّن في الحقيقة أو الشَّرع أمّهاتهم، إذ لو كنّ كذلك لحلّ للأمة ما يحلُّ للرّجل من أمّه، وما جاز لنا أن نتزوّج بواحدة من بناتهنّ، لأنّ التّزويج بالأخت لا يجوز، فصحّ أنّه إنمّا أراد تحريمهنّ على الأمة بهذه اللّفظة فقط.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:129]، فأخبرنا أن لا نستطيع العدل بينهنّ مع الحرص على ذلك، ونحن مأمورون بالعدل بينهنّ بلا خلاف، فهو يوجب تكليف ما لا يطاق.
الجواب: الظّاهر لا تعلق فيه؛ لأنه تعالى نفى استطاعة العدل بينهنّ، وذلك يرجع في الظّاهر إلى أشخاصهنّ، ونحن غير مأمورين بالعدل بين الأشخاص، لأنّ ذلك غير معقول، فالمعنى الذي نفى عنه قدرتنا واستطاعتنا غير مذكور في الآية، وإنمّا نعرف ذلك استدلالا، فيسقط التعلّق بالظّاهر، فإذا كان كذلك،