الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٤٨فنقول وبالله التوفيق: ليس يخلو من أن يكون في الإنفاق عليهن أو في مجامعتهنّ أو في محبّتهنّ أو الميل إليهنّ أو يكون أراد بذلك الإخبار عن ثقلِ ذلك على الزّوج وشدّته في أن يسوّي بينهنّ في جميع الأسباب، ومعلوم أنّ العدل بينهنّ في الحكم والنّفقة والمجامعة مقدور للعباد، لا يدفع ذلك إلاّ من ينكر العيان، وهذه الوجوه هي التي أمر بالعدل فيها.
فأمّا محبتُهنّ والميل إليهنّ فلا قدرة للعباد على ذلك؛ لأنها ليست بفعل للعباد، بل هو فعل الله تركيباً وخلقة على حسب اختلاف الطّبائع وتفاوت الشّهوات، كما يختلف في باب التشهّي للمطاعم والمشارب والملابس، وهذا الوجه غير مكلّف أحد التسوية بينهنّ، فيجوز أن يكون أراد به هذا الوجه، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:129]، فأمّا استقبال التّسوية بينهنّ فجائز أن يكون المراد به في الآية ذلك؛ لأنه شديدٌ صعب. وقد بيّنا أنّ شدّة ما يكلّف الإنسان قد يوصف ويخبر عنه بنفي الاستطاعة /16/ مبالغة في الوصف على ما ذكرناه من قبل ودلّلنا عليه، فيكون معناه أنّ العدل بينهنّ يثقل عليكم ويشتدُّ، فيسقط تعلّقهم.
ومِن ذلك قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:31]، قالوا: فقد كلّفهم الإخبار عمّا كانوا غير مستطيعين، وذلك يوجب تجوّز ما لا يُطاق.
الجواب: إنّه لا تعلّق لهم في الظّاهر من غير وجه:
أحدها: إنّه لم يقل لهم: ﴿أَنبِئُونِي﴾ مطلقا، بل علّق قوله: ﴿أَنبِئُونِي﴾ بشرط أن يكونوا صادقين، فإذا لم يحصل الشّرط لم يلزم الأمر، ألا ترى أنّه قال: قم إن كنت قادرا على القيام، فإنمّا يلزم ذلك بعد قدرته على ذلك، وذلك