الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥٠بظاهر قوله: ﴿أَنبِئُونِي﴾ ما لم يدل على أنّه من باب الواجبات، فكيف وقد بيّنا أنّه من باب التّحدي، فيسقط التعلّق به.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:06] قالوا: فنفى الإيمان عنهم في كلا الحالين، وبيّن أنهّم لا يقدرون عليه مع تكليفه إيّاهم الإيمان.
الجواب: الظّاهر لا تعلّق فيه، وذلك لأنّ نفي الفعل لا يدل على نفي القدرة، ولو دلّ على ذلك لدلّ كل ما أخبر الله تعالى أنّه لا يفعل على نفي قدرته عليه، نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، وقوله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:80]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:44]، وقوله أيضا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود:117] وهذا كثير.
فلمّا لم يدل ذلك على نفي قدرته على ما أخبر أنّه لا يفعله، صحّ أنّ نفي الفعل لا يوجب نفي القدرة، وذلك يوجب سقوط تعلّقهم، والذي يدلّ على ذلك أيضا أنّه لا خلاف أنّ الله تعالى قادر على ما لا يتناهى، ووجود ما لا يتناهى محال، والقادر قد يكون قادرا على أشياء كثيرة وإن لم يفعلها.
وبعد: فإنّ الظّاهر يوجب أنّ جميع الكفّار لا يؤمنون، أنذروا أو لم ينذروا، والمعلوم خلافه، على أن عند القوم لا يؤمنون بالإنذار ولا بتركه، وإنمّا يؤمنون بخلق الإيمان فيهم، وبما يوجب الإيمان، ولو كان كذلك لكان ذلك معلوما للنّبي - صلى الله عليه وسلم - وآله، ولو كان معلوما له ذلك لم يكن لإخبار النّبي - عليه السلام - معنى وفائدة، ولكان الواجب أن يقول سواء عندي أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا أخلق الإيمان فيهم.