الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٥١وبعد: فإنّ قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:7] يقتضي أنّ ترك الإيمان من فعلهم، ولأنّه لا يجوز أن يضاف إليهم فعل غيرهم، ولا أن يُذّموا لأجله، فالآية دالة على خلاف مذهبهم، وجميع ما ذكرنا يدلّ على أنّ جميع ذلك في قوم مخصوصين، وأنّهم لا يؤمنون بالإنذار وبتركه، فأخبر عنهم، وليس ذلك ينفي قدرتهم على الإيمان.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء:66]، /17/ قالوا: وقتل النّفس لا يُستطاع.
الجواب: الظّاهر لا تعلّق لهم فيه؛ لأنه ليس في الآية أنهّم لا يقدرون عليه، بل فيه ما يدلّ على قدرتهم على ذلك، لقوله ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فبيّن أنّ القليل يفعلون ذلك، فلو كانوا غير قادرين ما جاز أن يخبر بأنّ بعضهم يفعلون ذلك، على أنّا بيّنا أنّ نفي الفعل لا يدل على نفي القدرة.
وبعد: فإنّا قد سمعنا وشاهدنا من قتل نفسه، فمن أين أنّ الإنسان لا يقدر على ذلك، فلذلك شدّد النّبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر على من قتل نفسه، ولو كان ذلك غير مُستطاع ما كان لتشديده معنى ولا فائدة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:42]، فوصفهم بأنهّم لا يعقلون، ومن كان كذلك فهو غير قادر، وقد كلّفهم الاستماع وذلك يوجب تكليف ما لا يطاق.
الجواب: إنّه لا تعلّق لهم في الظّاهر؛ لأنه ليس في الآية أنهّم صمٌ وأنهّم لا يعقلون، وإنمّا فيها أنّ النّبي - عليه السلام - لا يستمع إذا كان لا يعقل، وهذا مما لا خلاف فيه، فمن أين أنهّم كذلك، فلا تعلّق لهم في ذلك بحال.