قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ٥٢

فإن قيل: أليس قد وصفهم بذلك، فقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة:18]؟ قيل له: قد أجبنا عن ذلك في باب المنع مما أمر به بما فيه كفاية وغنية.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود:20] وكانوا مع ذلك مكلفين.

الجواب: لا تعلّق لهم في الظّاهر، [لأنّ الظّاهر](1) يقتضي نفي استطاعتهم السّمع؛ والسّمع ليس بفعل للعبد في الحقيقة، ولا يصحّ أن يكون له قدرة عليه، فتعلّقهم بالظّاهر لا يصح، وإنمّا كان يصحّ ذلك لو بقيت الاستطاعة عمّا يصح أن يقدر عليه، على أنّه تعالى قد ذمّهم من حيث وصفهم بأنهّم لا يستطيعون السّمع، ولو أريد به نفي الاستطاعة لم يستحقوا الذّم، كالأعمى والأصم، فإنهّما لا يستحقان الذّم على كونهما أعمى وأصم على أنهّم كانوا يسمعون ما يقال لهم ويرون ما يشاهدون، لا خلاف في ذلك، فالمراد به استثقالهم للاستماع على ما بيّناه، والإخبار عن ذلك بنفي الاستطاعة مبالغةً في الوصف.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:101]، قالوا: فبيّن أنهّم لم يكونوا يستطيعون السّمع وكانوا مكلّفين بذلك؛ فقد صحّ أنّه يجوز تكليف ما لا يطاق.

الجواب: إنّ الظّاهر يدلّ على أنّ أولئك لم يستطيعوا السّمع الذي هو إدراك الصوت، وهذا قولنا، لأنّ مشائخنا اختلفوا في ذلك. فمنهم من يثبت الصّوت إدراكا ويجعله مقدورا لله تعالى. ومنهم من يقول: إنّه ليس بمعنى، وإنمّا

(1) زيادة من ث.

١٬٨٦٦ / ٣٦٬٧٥٥