الجزء 46
الجزء ٤٦ · صفحة ١٧٥وأمّا الّذي ينسخ آثار المسلمين؛ فلا يدخل في هذه الوصيّة، إلاّ إذا كان في نساخته يُريد أن يتعلّم شيئا من أمر دينه الّذي تعبّده به مولاه في دُنياه، وإلاَّ فَمَا أَبْعَدَهُ من ذلك. وكذلك الَّذي ينسخ القرآن العظيم لا يعطى شيئا من تلك الوصيّة، إلا إذا كان مرادُه أن يثبّتَ القرآن العظيم في صدره لئلاّ ينساه؛ فلا أقدر أن أمنعه من ذلك، فليُنظر /170/ ما أقول أَصَحَّ، وإلاّ فلا. وأمّا هؤلاء الصِّبيان الصّغار الذين يتعلّمون ألف وباء، فقد وجدت فيهم اختلافا عن أهل العلم على أن يدخلوا في هذه الوصيّة أو لا؛ فمنهم من قال: لا يُعطَون من ذلك. وفي قول الشّيخ الصّبحيّ دلالة على أنّهم يُعطَون من ذلك. وأقول: إنهم يُعطون منها؛ حيث إِنّي لا أرى حُجّة تمنعهم من ذلك، وإنّهم داخلون فيها؛ ولأنّ حروفَ ألف هي مبادئ العلم الشّريف، فلا أرى علّة تمنعهم من ذلك، اللّهم إلاّ إذا كان ثَمَّ شرط في هذه الوصيّة للعلماء خاصّة، أو ما دونهما من المتعلّمين منزلة، فلا أرى هؤلاء الصّبيان الّذين يتعلّمون حروف ألف منهم، وإنّهم خارجون عنهم باتّفاق مع أهل العلم، لكونه قد عَيّن أناسا معلومين في وصيّته، فلا يجوز خلافُه حتما. وأمّا إن كان أَبْهَمَ القول في ذلك وأرسله، ولم يُعيّن أحدا معلوما أو جماعة معلومين من أهل الفقه في دين الله؛ فلا أرى حجّة مانعة، وعندي أنَّ كلّ من يتعلّم العلم الشّريف من القرآن والآثار والنّحو والصّرف وعلم المعاني والبيان؛ فهو داخلٌ في تلك الوصيّة، فلا(1) فرق في ذلك مِن صغير وكبير، وحُرّ وعبد، وذكر وأنثى، كلّ ناطق بفمٍ وساعٍ بقدم، ويتعلّم العلم الشّريف، فهو داخل في ذلك الوصيّة وتحت دائرتها، إلاّ أنّ بينهم التّفاضل في المنازل من العلم والورع،
(1) () ق، ث: ولا.