الجزء 46
الجزء ٤٦ · صفحة ٢٤٠فإن كان من جهة ما قد حدّ في أكله مِن تاركه لهم في خصوصٍ أو عمومٍ أن يكون فيها حالة كون جعله، فالأمر في هؤلاء لا له، فيجوز أن يكون فيهم على هذا مُوجِبا لجواز فعله، وإن كانوا في تَجويزه لهم على أمر جامع؛ فإنّي لا أجيزه عليها خلافا لهم، لِمَا به يكون به من مضرّة وله من /231/ شرّ مانعٍ من ذكر الله، وإلاّ فهو من أعمال الدُّنيا.
فإن قيل: فهو الحقّ ما له من دافع، وإن ردّ ففي العيان ما أَغنى عن إقامة البُرهان على ظهور ما به من فساد في الأُمور، وكفى بالقرآن دليلا بالمعنى على ما له من حكم في موضع مَنْعِه لما يكون من طاعة المولى، فإنّه نوعُ ظلم فاعْرفه، وظنّي في هذه الحادثة أنّها لم تكن في الأوّلين؛ إذ لم نجد لهم فيها مقالات في رأيٍ ولا دين، وإنّما وجدنا ما بِها في أقوال الآخِرين، وعلى كلّ امرئ في مثلها أن يكون لنفسه ناظرا في العمل على أَعْدلها، أو ما يكون على حال من أمثلها، والتوفيق بالله.
قلت له: وما لا يجوز لِما به من الشّرط أن يُؤكل إلا فيها، فَلِمَ يُمنع من جوازه لهؤلاء عليها؛ إذ ليس هذا من الضّرورة إليها؟ قال: لا أدريه فأُجيزه لهم؛ لأنّه لاختيارهم المقتضي في كونه لعدم اضطرارهم، فكيف يجوز أن يوسّع لهم في أن يدخلوها، لا لشيء إلاّ ما أرادوا بها من مطاعم أن يأكلوها، وأحقّ ما بِهم على هذا أن يُمنعوا من أن يفعلوها.
قلت له: وإن لم يمنع ما هم به من طاعة في حاله، فيدفع؟ قال: نعم؛ لأنَّه من عمل الأولى، فإن يكن من ضرورة، جاز لهم، وإلاَّ فالمنع من جوازه أولى، فَإِن تقابلا في تَمانع، وتعارضا في تدافع على هذا، فَأَقبحُ أمرا، وأظهرُ حَجْرا.