الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٧٠وإن قلت: إنّه عالم بما يكون منك قبل وقوعك فيه فلا يخلو أيضا من(1) أن يكون قادرا على منعك عنها، حيث لم يردها لك ولا أرادها منك /23/ في زعمك أم لا؟ فإن قلت: إنّه غير قادر على منعي وصرفي؛ فقد كفرت إجماعا.
وإن قلت: إنّه قادر على منعي وصرفي فلم يمنعني ولم يصرفني، وهو كاره لك زعمك فقد أكذبت لك نفسك، وأبطلت مذهبك، ولم يبق إلا أنّه أرادها لك، وأرادها منك، وقدرها عليك قبل كونك، كما قد علمها قبل كونك، لا على معنى أنّه أمرك بها، بل كما قال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:49]. قال: وأما الذين تمسّكوا بالمشيئة والإرادة؛ فقد أحالوا فعلهم على الخالقيّة، وقطعوا نطاق العبودية، وتبرّأوا من أعمالهم، وقالوا: نحن مجبورون لحكمه، مقهورون لمشيئته، فلو شاء لهدانا، فنحن مستعملون فيما قدره علينا وقضاه فينا، فنحن في قبضة قهره، فكيف يتوجّه علينا حجة أمره؟ فلزمهم في اعتقادهم إبطال الأمر والنّهي، والثّواب والعقاب، والحلال والحرام، ولا فائدة حينئذ لإرسال الرّسل، ولا لإنزال الكتب المشحونة بالأوامر والنّواهي.
وأمّا الذين جمعوا بين الأمر والمشيئة؛ فقد قالوا: إن الله سبحانه استعبد الخلق بالأمر والنّهي، ولا بالقضاء والقدر، وأرسل الرّسل دعاة إلى الله، وأدلاّء في الطريق إلى الله، وإعلاما بحجّة الدين، آمرين باتّباع أمره، ناهين عن مفارقة نهيِهِ، ولله الحجّة البّالغة على عباده بالأمر والنّهي، وإرسال الرّسل، وإنزال الكتب، ولو شاء لهداهم بالإرادة والمشيئة أجمعين، واعتبر هذا من آية واحدة في القرآن، وهي قوله: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ
(1) زيادة من ث.