الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٧١تَدْمِيرًا} [الفرقان:36].
فانظر كيف قال: ﴿أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:16] ولم يهلكهم حتى أقام عليهم الحجّة بالأمر، ففي الآية إن عقلتها إشارة إلى حكم الأمر، وإلى حكم المشيئة، فمن هاهنا جعل لك فعلا أضافه إليك إضافة كسب وقصد، ليتوجّه إليك وجه الأمر والنّهي والتّكليف، وجعل الإرادة والمشيئة إليه، والضلالة والهدى بيده إذ هذه الرتبة عالية عن رتبة المأمور المكلّف، وهي بالآمر المكلِّف أولى، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا يُسأل عما يفعل.
وأنت مستعمل بالاختيار، مسلوب بالاختيار ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:68].
فلنقطع هاهنا كلام المقدسي، ولنرجع إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «القدريّة مجوس هذه الأمّة»(1).
وأمّا تشبيههم ومشابهتهم بالمجوس، لأنّ المجوس قالوا: إنّ الله سبحانه يخلق الخير، [والشيطان يخلق الشّر](2)، فالخير كلّه من الله، والشّر كلّه من الشيطان، وزادت القدريّة على المجوس، لأنّ المجوس إنمّا نفوا عن الله سبحانه خلق الشّر، والقدريّة نفوا عنه خلق الشّر والخير.
وقيل: إنّ القدرية مجوس هذه الأمة، لادعائهم إلَهَيْن اثنين، وعلى هذا فإنمّا شبّهوا بالمجوس من وجه آخر، وذلك أنهّم زعموا أنهّم الخالقون لأفعالهم والمحدثون لها، وهذه الصفة لم تكن إلا لله سبحانه وهو الخالق وحده، وهو إله الخلق؛ لأنه