الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ٩٠تقدّم إليه بهذا التبيين الذي بيّنه الله تعالى له، وهو هدي البيان لا هدي السّعادة، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:17]، فهدى الله تعالى الخلق كلّهم هدي البيان، وكل منهم يعمل باختيار نفسه لما يعمل من كفر وإيمان، والله أعلم.
مسألة: وقيل: كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، أمّا بعد: بني هاشم، فإنّكم(1) الفلك الجارية في اللّجج الغامضة، التي من تعلّق بها نجا، ومن تخلّف عنها ضل وغوى، كتبنا إليك يا ابن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تحيّرنا في القدر، واختلافنا في الاستطاعة، فاكتب لنا ما أنت عليه، وما كان عليه آباؤك من قبل، فأنتم ذرّية بعضها من بعض، والله سميع عليم.
فكتب إليه الحسن بن علي: أمّا بعد: فقد وصل كتابك تذكر فيه تحيّرك وتحيّر أصحابك، وكيف لا يتحيرون وأنتم لهم قادة، أمَا إنهّم سيبغون الرجعة، ويطلبون الإقالة عند تبرّء المبتدع من التّابع، ولولا ما أخذ الله على عباده ممن علم علما فكتمه لأمسكت عن جوابك.
وبعد: فالذي أنا وآبائي عليه، أنّه من لم يؤمن بالقضاء والقدر كلّه خيره وشرّه، وحلوه ومرّه فقد كفر، ومن حمّل المعاصي على الله - عز وجل - فقد فجر، إنّ الله تبارك وتعالى لم يطع من اقتدار من المطيع، ولم يعص غلبة من العاصي، لكنّه المالك لما ملّكهم عليه، والقادر لما أقدرهم عليه، فإن ائتمروا بالطّاعة لم يكن عليها صارفا، وإن ائتمروا بالمعصية وشاء أن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حمّلهم على ذلك إذا ملّكهم وقوّاهم، وجعل لهم السّبيل
(1) زيادة من ث.