قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 05

الجزء ٥ · صفحة ١٠٤

فإن قالوا: الإرادة من الله واحدة، فقل لهم: أليست إرادته من الخلق في الطّاعة أن يكون منهم كما أراد من خلق الخلق؟

فإن قالوا: بلى، فقل لهم: فما بال إرادتهم تمّت فيما أراد من خلق الخلق، ولم تتم فيما أراد من الخلق في الطّاعة؟

وإن قالوا: إرادته على غير وجه منها حتم كخلق السماوات وغيرها، ومنها أمره. فقل: فمن أي الأمرين إرادته لخلق الطّاعة إذا أراد ذلك منهم فلم يكن؟

فإن قالوا: من إرادة الأمر وإرادة الحتم؛ فقد تركوا قولهم.

وإن قالوا: ليس من إرادة الأمر، ولا من إرادة الحتم، فقل: ما هذه الإرادة الثّالثة، وما هي؟ فإنهّم لا يأتون بغيرها ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصل: زعم أهل القدر أن الإرادة من الله تعالى في جميع الأشياء إرادة واحدة، أراد من العباد الإيمان، كما أراد أن يخلق السّماوات، فذلك قولهم في أصل كلامهم، فإذا اضطروا رجعوا إلى أنّ إرادته في خلق السماوات غير إرادته من العباد الإيمان.

قلنا لمن أقام منهم على القول الأول بأنّ الإرادة من الله تعالى في جميع الأشياء واحدة، أعجز الله أن يتمّ ما أراد جميعا على ما أراد كما أراد من خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان والشمس والقمر أم لم يعجزه شيء ممّا أراده؟

فإن قالوا: أعجزه شيء؛ فقد كفروا بالله. وعجّزوه وكذّبوا بكتاب الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:77].

وإن قالوا: لا يعجزه شيء وكل ما أراد فهو كائن. قلنا: فما بال الخلق لم يكن منهم ما أراد من الإيمان، كما كان ما أراد من السماوات في تمام خلقها؟

فإن قالوا: بل إرادته في كلٍّ سواء، وليس كل ما أراد بكائن، لأنّ الإرادة من الله تعالى في خلقه حتم، والإرادة من الله فيما أمر ليس بحتم، كما حتم خلق

١٬٩١٧ / ٣٦٬٧٥٥