الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٠٦قلنا لهم: أمّا التي في حتم خلق الخلق، فنحن وأنتم فيها سواء، وأمّا التي ليست بحتم وليست في قولكم بأمر كما قلنا، فما هي؟ وكيف هي؟ إرادة أرادها من الخلق أن يأمرهم وينهاهم، ولا يجبرهم ولا يكرههم. فإن قالوا: نعم.
قلنا: فهل أحب الله تعالى الذي أراد من الخلق في أمره ونهيه؟ فإن قالوا: نعم.
قلنا: فهل كان ما أحب كما أحب؟ أو إنمّا أراد وأحبّ أن يكون الأمر منه أمرا، وكان كما أراد أمرا فيكونوا شركاء فيما قلنا، أو إنمّا أراد أمرا وأحبّ خلافه.
فإن قالوا: أراد أمرا وأحب خلافه؛ فقد تركوا قولهم.
وإن قالوا: بل أراد أن يأمر العباد بما يحبّ تمامه؛ فقد رجعوا إلى أنهّا إرادة حتم مثل إرادة خلق السّماوات، تتمّ إرادته في خلقه كما تمت في خلق السّماوات.
فصل: زعمت القدريّة، أنّ الله أراد شيئا فلم يكن الذي أراد كما أراد، وإنّ إرادته لم تتم كما أراد فيها، وأنّ إبليس لعنه الله أراد من العباد المعصية فتمت إرادته فيما أراد منهم، وقصرت إرادته في بعض، وأنّ الله تعالى أراد من العباد الطّاعة فتمت إرادته في بعض وقصرت في بعض، فأقاموا الله تعالى في الإرادة مقام إبليس، ولم يفرّقوا بين الله - عز وجل - وبين إبليس اللّعين في الإرادة، فيما به أمر ونهى.
ولسنا نقول في المشيئة كما قالت القدريّة: وذلك أنهّم قالوا: إنّ المشيئة من الله تعالى في الطّاعة إنمّا هي مشيئة أرادها من الخلق تكون على جهة البلوى، وأنهّم هم مختارون ما يريدون، ومفوّض ذلك إليهم، فقلنا لهم: أليس الله تعالى أراد وشاء أن يكون الإيمان بفعلكم، وإرادته لهذا إرادة حتم هي أم ليست بحتم؟