الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١١٥وكان العباد فيما أمرهم به مطيعين، كما أطاعته السّماوات والأرض إذ أجابتاه حين قال للسّماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11].
فلو كانت إرادته فيما أمر به من الطّاعة مثل إرادته فيما ما أراد من خلق الخلق، لكان الذين قال لهم: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء:135] لا يكون إلاّ كما أراد منهم كما زعموا، أنّه لم يرد منهم غير الطّاعة، ولكان الذين قال لهم: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:119] لا يكونون أبدا إلا مع الصّادقين، لأنّ أهل القدر زعموا أنّ الله لم يرد في العباد، ولا للعباد إلاّ أرادة واحدة، وهي إرادة الإيمان، ولو كان ذلك كذلك، لكان كل من قال لهم: يكونوا كذا وكذا(1) يكونون كما قال لهم. فإنّ الله تعالى لم يعص بقسر ولا استكراه ولا بغلبة، ولكن إرادته نفذت في كل(2) ما أراد وكما أراده، وكذلك وصف نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل:77]، فإن قال: أفإبليس يريد الكفر؟ قيل له: نعم.
فإن قال: فالنّبي - صلى الله عليه وسلم - يريد الكفر؟ قيل له: لا.
فإن قال: [أ](3) فإبليس كان أطوع لله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإرادة إبليس ما أراد الله، والنّبي - صلى الله عليه وسلم - كره ما أراد الله؟ قيل له: بل إبليس عصى ربّه بإرادته الكفر؛ لأنه نهي عن ذلك، وأطاع النّبي - صلى الله عليه وسلم - ربّه إذ لم يرد ما أراد به من الكفر، وليس كل من