الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٢٠الذي يستحقون لأجله العذاب، وهذا يوجب أنّه يريد الفسق ويدعو إليه ويبعث عليه.
الجواب: الظّاهر لا تعلق فيه من وجوه:
أحدها: إنّه لو كان الأمر على ما قالوه لم يكن لأمرهم ودعائهم معنى، إذ لو جاز أن يستدرجهم إلى الكفر ثم يعذبهم عليه، لجاز أن يعذبهم ابتداء؛ لأنها عند من يجعل تعذيبهم ابتداء قبيحا سيّان في القبح، وعند من يجوّز أحدهما سيّان في الجواز والحسن.
وثانيها: إنّه قال: ﴿مُتْرَفِيهَا﴾، ولا خلاف في أنّه لا يجوز أن يأمر أحدا إلاّ بما هو طاعة وحسن، إذ لو جاز أن يأمرهم بالفسق كانوا بفعلهم مطيعين.
وثالثها: إن قوله: ﴿فَفَسَقُوا﴾ دليل أنّه إنمّا أمرهم بالطّاعة، فصاروا لمفارقة أمره فاسقين، ولو كان أمرهم بالفسق ففعلوا ذلك، [لكانوا مطيعين بذلك.
فأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:16]، والإرادة لإهلاك قوم قد يكون حسنا إذا كان مستحقا فلا تعلّق بذلك](1)، وقد بيّن تعالى أنّه لا يهلك أحدا إلا باستحقاق، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:117]، وكذلك قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:59]، فلمّا أخبر الله تعالى أنّه لا يهلك أحدا إلاّ بالاستحقاق، فكذلك لا يريد إهلاكهم إلاّ بالاستحقاق؛ لأنهما سيّان في الجواز والفساد، والقبح والحسن.
وقال الله تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ [غافر:31]، ومهما أراد
(1) زيادة من ث.