الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٢٢والاهتداء مع مجيء الرّسول، كما أنّه لا يقدر عليه قبل مجيئه لبعثه رسولا، والاحتجاج عليه في جواز تعذيبه بعد الرّسول، وإحالة تعذيبه قبله، إذ هو بعد مجيء الرّسول وقبله على أمر واحد، عدم القدرة على الاهتداء، بزعم القول، ولو كان كذلك لناقض أحواله وتدافعت آياته.
وفساد ذلك ينبّئ عن تقوّلهم عليه سبحانه وتحريفهم كلامه، وتغييرهم كتابه، فالله سبحانه بيّن أنّه لا يهتدي أحد(1) إلاّ لنفسه، وأنّه لا يضلّ إلاّ(2) عليها، وأنّه لا يؤاخذ أحدا بجرم غيره، وأنّه لا يعذب إلاّ بعد إرسال الرّسول، وأنّه إذا أراد هلاك قوم عند استحقاقهم لذلك على ما بيّنا في أنّه لا يريد إهلاكهم إلاّ بعد استحقاقهم، لم يعاجلهم بالعقوبة، بل ينهاهم ويحذرهم، ويبعث إليهم رسولا، فيفسقون ويفارقون طاعته، ويخرجون عن أمره ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء:16]، يعني: وجب عليها العذاب، فدمرناها تدميرا، فهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:15].
وأمّا معنى "أَمَّرنا" بالتّشديد: يعني وليّْنَا عن الإمارة، وآمرنا، فمعناه كثرنا، فذلك كلّه قريب؛ لأنه تعالى بيّن عند استحقاقهم للعذاب بكثرة مترفيهم، بأن ينعم عليهم، وينظرهم ويمهلهم، فإذا قابلوا أنعامه بالفسق دون ما يجب عليهم من الشكر، أهلكهم عند ذلك.
وأمّا معنى قوله: ﴿أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً﴾؛ فقد بيّنا أنّه لا يجوز أن يريد إهلاك قوم من غير استحقاق، وكيف وقد بيّن أنّه لا يعذّب إلاّ بعد إرسال