الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٢٧عيانا؛ أي: يستقبلون كذلك، فهذا دليل على أنّه لم يشأ أن يؤمنوا؛ لأنه لو شاء أن يؤمنوا لم يقل إلاّ أن يشاء الله، وقد شاءوا هم فلم يكن ما شاءوا، ومن صفات الله تعالى أنّه يفعل ما يشاء وما يريد، وليس لأحد أن يفعل ما يشاء وما يريد غيره، لقوله - عز وجل -: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:29]، ففي هذا تثبيت لمشيئته تعالى وإرادته تعالى، وإبطال لقول من قال: إنّ العباد يفعلون ما يشاءون ويريدون، والقدرة والمشيئة والإرادة لله تعالى لا لغيره سبحانه جلّ وعلا علوّا كبيرا.
ولم يعمل أحد من العباد عملا من خير أو شر أو طاعة أو معصية إلاّ وقد شاءها الله تعالى، لا مشيئة محبّة ولكن /44/ مشيئة إرادة.
مسألة: فإن قال قائل: إن الله تعالى شاء من المشركين الشرك قيل: نعم.
فإن قال: فما الدليل؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:107]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:112]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:13]، فهذا كلّه دليل على أنّه شاء ما فعلوه، وإذا شاء ذلك فقد أراده، والإرادة والمشيئة هما صفة ذات لا صفة فعل كالعلم والقدرة، والدليل على أنّ الله تعالى لم يشأ الإيمان من الخلق كلّهم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَأمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:99]، فهذا دليل على أنّه لم يشأ أن يؤمنوا جميعا؛ لأنه قد أخبر تعالى أنّه لو شاء لآمنوا جميعا، فلمّا لم يؤمنوا جميعا علمنا أنّه لم يشأ أن يؤمنوا.
فإن قال: لو شاء لآمنوا بالجبر. قيل له: إنّ الإيمان قد يكون بالجبر وبغير جبر، فليس لك أن تزعم أنّ معنى هذا خاص، إلاّ بآية تدل على خصوص هذه الآية، وأمّا الله تعالى فلم يجبر أحدا، وإنمّا آمن من آمن مختارا غير مجبر، وقد قال