الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٢٨الله - عز وجل -: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل:19] ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (56) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:56]، ففي هذا تثبيت المشيئة، وأنّه لا يكون إلاّ ما علم وشاء وأراد، وإبطال قول من زعم أنهّم يعملون(1) خلاف ما علم الله تعالى منهم وأراد.
مسألة: وممّا يدلّ على أن لا شيء مخلوق مراد إلاّ والله تعالى مريد له قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:23،24]، فخبر أنّه لا يكون شيء في الأرض(2) شاءه أحد إلاّ أن يشاء الله، لقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾ يا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:30] فخبر أنّه لا أحد شاء شيئا فيكون إلاّ أن يشاء الله كونه، وهذه آيات محكمات.
وأجمع أهل الفقه بأسرهم لو أنّ رجلاً قال لرجل عليه له دين: والله لأعطينك حقّك غدا إن شاء الله، ثم أصبح ولم يعطه: إنّه غير حانث بإجماع الأمّة وفقهاء الأمصار والتّابعين، لا خلاف بينهم في ذلك بأنّ الله تعالى لو شاء أن يعطيه لأعطاه، فعلم ذلك وبكتاب الله تعالى أنّه لا يكون ما لم يشأ، لأنّ الله تعالى لو شاء أن يعطيه حقّه فلم يعطه لكان العبد حانثا في يمينه، فلمّا أجمع فقهاء الأمصار أنّه لو جاء الوقت في غد ولم يعطه ما كان حانثا، كان ذلك أدلّ الدليل على أنّ الله تعالى لو شاء لكان معطيا له، فلا يكون في الأرض إلاّ ما شاء الله.