الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٣٤ويسكن فثبت له من الله على ذلك الحمد والذّم، صحّ أنّه مضاف إلى العبد، وليس لله فيه حكم ولا تدبير، إذا كان غيرَ جائز أن يكون الله يتحرك به أو يسكن أو يطيع أو يعصي أو يكفر أو يؤمن في أمثال هذا من العلل.
وقالت المجبّرة والجهميّة: لماّ وجدنا الفعل غير متصرّف بهذه الجهات المذكورة، ولا يحتمل التجزئة كقول المعتزلة، قلنا: لا يخلو أن يكون مضافا إلى العبد بجميعه كقول المعتزلة أو يكون مضافا إلى الله بجميعه، فبطل أن يضاف إلى العبد لعجزه أن يجعله على ما هو به، فلمّا بطل هذا صحّ أنّه مضاف إلى الله بجميعه؛ لأنه خلقه، وجعل في قلوب العباد فأضلّهم وهداهم.
فعمد المعتزلة إلى علّتين مفترقتين فجعلوهما علّة واحدة، ولم يعتبروا أنّ جهة الخلق والتّقدير والتّدبير مضافة إلى الله تعالى، وجهة التحرك والسّكون والطّاعة والمعصية مضافة إلى العباد، فحرّمت المعتزلة من خلق الله أفضله، فنحلوه لأنفسهم وهو التّوحيد والإيمان، فوصفوا ربهّم بالعجز والغلبة، فصاروا شركاء في الخلق والاختراع والقدرة، تعالى ربّنا عن ذلك علوّا كبيرا.
وعمدت المجبرة إلى ربهّم فوصفوه بالظّلم والعدوان، وبرّأوا أنفسهم من الإساءة والإحسان، فهدّموا بذلك قاعدة الإجماع من الأمّة أنّ الله عدل لا ينسب إليه الجور، فزعموا أنهّم مطبوعون(1) على أعمالهم، مجبورون على أفعالهم، وزعموا أن ليست لهم أفعال على الحقيقة إلا على مجاز اللّغة، كقولهم: مات الميّت، ونبت الزّرع، وسقط الجدار، وهبّت الريح في أمثال هذه الأشياء، سميت فاعلة على المجاز، والفاعل الحقيقة هو الربّ سبحانه أمات الميّت وأنبت الزرع في أشباه ما
(1) ث: مطيعون.