الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٣٥ذكرنا، فزعموا بهذا أنّ الله عذّبهم على غير فعل فعلوه، وعلى غير كفر اقترفوه، فوصفوه بالظّلم والجور، تعالى من لا يظلم النّاس شيئا ولكن النّاس أنفسهم يظلمون.
واستدلوا على مقالتهم بقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [فاطر:8]، وبقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:155] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:7]، في أمثال هذه الآيات.
وقال سائر الأمّة -على اختلاف مذاهبها-: إنّ الله خالق لجميع أفعال العباد المخلوقات، من السكون والحركات، من الحيوانات والجمادات، وليس شيء منها بخارج من تدبيره وإرادته، وليس في إضافته إلى العباد بالتحرّك والسّكون ما يزيل عليه من الله التّكوين، كما أنّه ليس في تكوين الله تعالى وخلقه للأفعال على ما هي عليها ما يخرجها من أن تكون كسبا للعباد، فهي من الله تعالى خلق وجعل، ومن العباد اكتساب وفعل، وبالله التوفيق. /47/ فصل: في الرّد على القدريّة وعلى الله توكلت.
فإن قال قائل من القدريّة: ما الدليل على خلق أفعال العباد، وقد أمر الله تعالى ببعضها ونهى عن بعض؟ قيل له: الدليل على ذلك من القرآن والسنّة، وإجماع الأمّة، وحجّة العقول والقياس المفهوم.
أمّا من القرآن فأدلّة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:102]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:101] وفحواها يتضمّن الامتداح والاختراع لجميع الأشياء، فأخرجها على العموم، ولو كان غيره خالقا لساغ أن يقال له على الامتداح، فيكون المراد لبعض الأشياء دون بعض، فلمّا بطل أن يكون خالقا لفعله، لأنّ الله تعالى يقول: {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا