الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٥٥العباد قبل أن يخلقهم وبما يصير إليه عواقب أمورهم وثوابهم وعقابهم، فجرت أعمالهم على علم الله تبارك وتعالى، فمن زعم أن الله لم يعلم أعمال العباد حتى عملوها فهو كافر؛ لأن الله تعالى خلق أعمال العباد وحركاتهم وسكونهم، وجميع أفعال الحيوان، وخلق الكفر والإيمان والطاعة والمعصية.
والعباد في ذلك مكتسبون له، والله خالق اكتسابهم، ولا يقال أنهم اكتسبوا خلق الله ولكن يقال خلق الله كسبهم، ومن زعم أن الله لم يخلق أعمالهم فقد كذب على الله لأن الله يقول ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:96] ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:102] وأفعاله شيء ومن زعم أنّه لم يكتسبوها، وأنّ الله لم يعذّبهم على شيء منها، وأنّه إنمّا عذّبهم على فعله لا على أفعالهم؛ فقد كذب على الله، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الحج:10]، وقال: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:14]، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:72].
وقالت فرقة من القدريّة: إنّ الله لم يرد من العباد إلاّ الإيمان، /54/ وأنهّم كفروا، وقد أراد الله أن لا يكفروا فكفروا، وقول المسلمين: لو أراد أن لا يكفروا لما كفروا، ولو أراد أن لا يكون شيء فكان كان عاجزا مغلوبا تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
فإن قالوا: هل أراد الله منهم الكفر؟ قيل لهم: أراد الله أن يكون الكفر منهم باطلا مذموما لأنّا لا نضيف الأشياء إلى الله إلا بأحسن الألفاظ، ولا تضاف إلى الله إلاّ الأسماء الحسنى والصّفات العلى، وإن كان هو خالق جميع الأشياء، كما قال الله تعالى حاكيا عن إبراهيم - عليه السلام -: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ