الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٥٦يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:78 - 80] ولم يقل: يمرضني والله تعالى خالق المرض ومريده ومقدّره على خلقه.
وزعمت القدريّة أنهّم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهّم لا يفعلونه، وأنّه إنمّا أمرهم بما هم عليه قادرون.
وقول المسلمين: إنّه لا يقدر أحد من الخليقة يعمل ما قد علم الله أنّه لا يعمل، وقد أمر الله النّاس أن يفعلوا ما لا يقدرون على فعله إلاّ بعون الله وتوفيقه، وليس ذلك منه جورا تبارك وتعالى، لأنّ الجور لا يكون إلاّ من المأمور المنهي، والله تعالى ليس بمأمور ولا منهي، وإنمّا كان الجور جورا والظّلم ظلما لأنه محرّم، والله تعالى حرّمهما، ولم يمنع الله تعالى من الأعمال ولم يجبرهم عليها.
وإنمّا العاجز الممنوع من كانت خلقته غير محتملة لما كلّف، كما أنّ الأصمّ لا يكلّف أن يسمع، والأعمى أن يبصر، والمقعد أن ينهض، ولكنّ الله كلّف العباد الإيمان، وخلقهم محتملين له، ولكن من اشتغل بالكفر(1)، فممتنع من الإيمان بكفره لكن الكفر يمنع الكافر من الإيمان، والإيمان يمنع المؤمن من الكفر.
والذي نقوله: إنّ الله تعالى خلق الإيمان إيمانا حسنا، والكفر كفرا قبيحا، وخلق ما سوى ذلك من أفعال الملائكة والآدميين من المطيعين والعاصين، والمؤمنين والكافرين، وخلق أفعال الحيوان أفعالا، فما كانت منه، وقدر ذلك كلّه على ما كان عليه في جميع أموره من أوقاته وأقداره، وحسنه وقبحه، وأنّ الأشياء لا تكون إلاّ بإرادة الله تعالى ومشيئته فيها.
(1) في ث زيادة: لم يستطع الإيمان، ومن اشتغل بالإيمان لم يستطع الكفر.