الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٦٢معارضة أخرى: فإن قال: أخبرني عن الكذب والظّلم والجور وما أشبه ذلك من الأشياء القبيحة، أهي من الله، أم من العباد؟ فإن قلتم: من الله فقد(1) أثبتموه ظالما كذّابا جائرا تعالى عن ذلك؟ قيل له: هذه الأشياء من الله خلقا لا فعلا؛ أي: خلق الجور في نفسه مخالفا للعدل، والكذب مخالفا للصدق، وكذلك سايرها خلق هذه الأشياء من الجائرين والكاذبين الظالمين فجعلها في أعيانها مخالفة لأضدادها من العدل والصدق وغيرها، ولا يجوز أن يفعل الجور من جهة الحكم به إلاّ جائر، والكذب من جهة الإخبار به إلاّ كاذب، وأمّا من جعل الجور والكذب والظلم في أعيانها مخالفا لأضدادها، ولم يحكم بالجور، ولم يخبر بالكذب، ولم يظلم، فلا يكون كاذبا ولا جائرا ولا ظالما، كما أنّه خلق الحركة والسكون، /57/ والولد والصّاحبة لغيره، ولا يوصف بذلك، تعالى علوّا كبيرا.
معارضة: فإن قال: فإذا زعمتم، أنّ فعل العبد مخلوق لله - عز وجل -، فربّكم إذًا(2) مضطر؛ لأنه إذا فعل العبد فعل، وإذا ترك العبد ترك، فليس لله تعالى فعل على الحقيقة على قياس قولكم، قيل له: أغفلت النّظر في سؤالك، ولو علمت ما يلزمك ما تكلّمت بهذا، ولكنّا نقول: إنّ الله تعالى خلق الأشياء، فجعل منها أشياء لا تكون إلاّ بسبب، والفعل لا يكون إلاّ من فاعل، والحركة لا تكون إلا من متحرك، فكما(3) وقع عليه اسم شيء فالله خالقه، فمن الأشياء ما يكون بنفسه. ومنها ما لا يكون إلاّ بسبب، كما قلنا، ولنعكس عليه المسألة فنقول: