الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٦٨ونهاهم عن المعصية وأوجب عليها العقاب، وهو العالم في الأزل بما يعملون ولا يجاوزون علمه؛ فأي ما فعلوا من طاعة أو معصية بقصد واكتساب فالله خلقه منهم، وخلق قصدهم وحركاتهم واكتسابهم، ولا ينقض علمه فيهم، فخلق العباد على هذا المعنى وجبلهم عليهم، فهم مخلوقون مجبولون مضطرون مطبوعون على أن يعملوا ما علم الله منهم قبل أن يعملوه.
كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: فالخلق إلى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في كتابه المكنون ماضون، لا يعملون بخلاف ما منهم علم، ولا إلى غيره يريدون، فهذا هو الحقّ والصّواب إن شاء الله، لأنّ الجبْل والفطر والخلق قد ورد بهم القرآن والسنّة.
أمّا القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:62]؛ أي: خلقا كثيرا، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:184]، [أي: خلقه الأولين](1)، وقال في الفطر: إنّه الخلق ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:1]؛ أي: خلقهما، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:30]؛ أي: خلق الناس عليها، وقال في الطّبع: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:155]، فالقلوب مطبوع عليها بالكفر الذي فعلوه واكتسبوه، لا على ما قالت الجهميّة إنهّم مطبوعون مجبورون مضطرون، مجبولون على أفعالهم، وليست لهم بأفعال على الحقيقة، لكن على المجاز، وإنمّا ألجأهم إلى هذا إجلال لربهّم ألاّ ينسبوا إليهم فعل شيء، فأزالوا عن أنفسهم ما أضافه الله إليهم، حيث يقول: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:105]، وقوله: {جَزَاءً بِمَا
(1) زيادة من ث.