الجزء 05
الجزء ٥ · صفحة ١٧٠الحقيقة فعل؛ لأنه أجبر على ذلك كرها بغير قصد ولا اكتساب.
ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -: «جبلت هذه القلوب على حبّ من أحسن إليها وعلى بغض من أساء إليها»(1)؛ أي: جبلها الله حين ابتدأ خلقها على ذلك، فمهما أحسن إليها محسن أحبّته، وإن أساء إليها بعد ذلك أبغضته، فعلى هذا المعنى أحسن الله تعالى إلى أوليائه فأحبّوه، فمدحهم على ذلك وأثابهم عليه، فلو كان جبل فعل، لما انتقل المجبول على الحبّ إلى ضدّه أبدا، كما لا ينتقل عن البرودة إلى ضدّها من الحرارة أبدا، والمجبول على فعل الطبيعة لا يجري عليه حمد ولا ذم، ولا يقال للأبيض: لم كنت أبيضا؟ ولا للأسود: لما كنت أسودا؟ لأنّ الإبيضاض والإسوداد ليستا من أفعالهما، كما لا يقال للنّار: لم كنت حارة؟ وللثلج: لم كنت باردا؟ لأنّ الحرارة والبرودة فعلان للطبيعة خلقهما الله تعالى وخلق تلك كذلك.
والمطبوع على الفعل لا يوجد منه ضدّه أبدا، كالنّار لا توجد منها البرودة أبدا، إلاّ أن تقلب عن عينها، كنار الخليل، صلوات الله عليه وعلى نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - قال الله لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء:69]، فكانت باردة بعدما كانت حارة بقدرة الله تعالى ألا ترى إلى قول الشاعر:
إذا أنت تبغي شيمة غير شيمة … جبلت عليها لم تطعك الضرائب
ألا ترى من خلَقه الله تعالى فظا غليظا، فربمّا يتكلّف الحلم على مشقة، ولا يسمى حليما، وإنمّا يسمىّ متحلّما، وإن طال تكلّفه للحلم قليلا انقلب إلى طبيعته من الفظاظة والغلظة، كذلك من جبل على عمل أهل السّعادة أو
(1) تقدم عزوه.